جلال الدين السيوطي
29
الإتقان في علوم القرآن
النوع الثاني والخمسون في حقيقته ومجازه « 1 » لا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن ؛ وهي : كلّ لفظ بقي على موضوعه ، ولا تقديم فيه ولا تأخير . وهذا أكثر الكلام . وأما المجاز : فالجمهور أيضا على وقوعه فيه ، وأنكره جماعة ، منهم : الظاهريّة وابن القاصّ من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية . وشبهتهم : أنّ المجاز أخو الكذب ، والقرآن منزّه عنه ، وأن المتكلّم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة ، فيستعير ؛ وذلك محال على اللّه تعالى . وهذا شبهة باطلة ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن ؛ فقد اتفق البلغاء على أنّ المجاز أبلغ من الحقيقة ، ولو وجب خلوّ القرآن من المجاز وجب خلوّه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها . وقد أفرده بالتصنيف : الإمام عز الدين بن عبد السلام ؛ ولخصته مع زيادات كثيرة في كتاب سميته : « مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن » . وهو قسمان . الأوّل : المجاز في التركيب ، ويسمّى مجاز الإسناد ، والمجاز العقلي . وعلاقته الملابسة ، وذلك أن يسند الفعل أو شبهه إلى غير ما هو له أصالة لملابسته له ، كقوله تعالى : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [ الأنفال : 2 ] ، نسبت الزيادة - وهي فعل اللّه - إلى الآيات ، لكونها سببا لها . يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ [ القصص : 4 ] . يا هامانُ ابْنِ لِي [ غافر : 36 ] . نسب الذبح - وهو فعل الأعوان - إلى فرعون ، والبناء - وهو فعل العملة - إلى
--> ( 1 ) انظر مختصر الصواعق 2 / 2 - 76 ، والإيمان لابن تيمية ص 52 - 67 ، وللشنقيطي رسالة في رد ادعاء المجاز . ( 2 ) انظر البرهان 2 / 255 . ( 3 ) وهو مختصر مجاز القرآن لابن عبد السلام ، انظر هدية العارفين 1 / 542 ، وكشف الظنون 1 / 542 ، ودليل مخطوطات السيوطي ص 41 .